السيد الطباطبائي

139

بداية الحكمة

وحكم النقيضين - أعني الإيجاب والسلب - أنهما لا يجتمعان معا ، ولا يرتفعان معا ، على سبيل القضية المنفصلة الحقيقية ( 1 ) ، وهي من البديهيات الأولية التي عليها يتوقف صدق كل قضية مفروضة ، ضرورية كانت أو نظرية ، إذ لا يتعلق العلم بقضية إلا بعد العلم بامتناع نقيضها ، فقولنا : " الأربعة زوج " ، إنما يتم تصديقه إذا علم كذب قولنا : " ليست الأربعة زوجا " ، ولذا سميت قضية امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما : " أولى الأوائل " . ومن أحكام التناقض أنه لا يخرج عن حكم النقيضين شئ البتة ، فكل شئ مفروض إما أن يصدق عليه زيد أو اللا زيد ، وكل شئ مفروض إما أن يصدق عليه البياض أو اللا بياض ، وهكذا . وأما ما تقدم في مرحلة الماهية ( 2 ) - أن النقيضين مرتفعان عن مرتبة الذات ، كقولنا : " الانسان من حيث إنه انسان ليس بموجود ولا لا موجود " - فقد عرفت أن ذلك ليس بحسب الحقيقة من ارتفاع النقيضين في شئ ، بل مآله إلى خروج النقيضين معا عن مرتبة ذات الشئ ، فليس يحد الانسان بأنه " حيوان ناطق موجود " ، ولا يحد بأنه " حيوان ناطق معدوم " . ومن أحكامه أن تحققه في القضايا مشروط بثمان وحدات معروفة ، مذكورة في كتب المنطق ( 3 ) ، وزاد عليها صدر المتألهين ( رحمه الله ) وحدة الحمل ( 4 ) بأن يكون الحمل فيهما جميعا حملا أوليا ، أو فيهما معا حملا شائعا ، من غير اختلاف ، فلا تناقض بين قولنا : " الجزئي جزئي " أي مفهوما ، وقولنا : " ليس الجزئي بجزئي " أي مصداقا .

--> ( 1 ) وهي قولنا : إما أن يصدق الإيجاب أو يصدق السلب . - منه ( رحمه الله ) - . ( 2 ) في الفصل الأول من المرحلة الخامسة . ( 3 ) وهي وحدة الموضوع ، والمحمول ، والشرط ، والإضافة ، والكل والجزء ، والقوة والفعل ، والمتى ، والأين . راجع شرح المنظومة ( قسم المنطق ) : 61 ، وشرح حكمة الإشراق : 86 . ( 4 ) راجع الأسفار 2 : 109 .